الشيخ علي المشكيني
121
دروس في الأخلاق
الدرس الخامس والعشرون : في التفكّر والاعتبار بالعِبَر والاتّعاظ بالعِظات الدرس الخامس والعشرون : في التفكّر والاعتبار بالعِبَر والاتّعاظ بالعِظات حقيقة التفكّر : سير الباطن مِن المبادئ إلى المقاصد ، ولا يرتقي من النقص إلى الكمال إلّا بهذا السير ، ومبادؤه الآفاق والأنفس ، بأن يتفكّر في أجزاء العالم وذرّاته ، وفي الأجرام العلويّة والكواكب ، وفي الأجرام السفليّة ؛ برّها وبحرها ، ومعادنها وحيواناتها ، وفي أجزاء الإنسان وأعضائه ، وما فيها من المصالح والحِكم ، وغيرها ممّا يستدلّ بها على كمال الصانع وعظمته وعلمه وقدرته . فالتفكّر من حيث خلقها وإتقان صنعها وغرائب الصنع وعجائب الحكم الموجودة فيها أثرُه الإيقان بوجود الصانع وعلمه وقدرته وحكمته ، ومن حيث تغيّرها وفنائها بعد وجودها أثرُه الانقطاع منها والتوجّه بالكلّيّة إلى خالقها وبارئها ، ونظيره التفكّر في أحوال الماضين ، وانقطاع أيديهم عن الدنيا وما فيها ، ورجوعهم إلى دار الآخرة ؛ فإنّه يوجب قطع المحبّة عن غير اللَّه ، والانقطاع إليه بالطاعة والتقوى . فالتفكّر في الحقيقة من الأسباب والمقدّمات الموصلة إلى عرفان نظري هو أشرف المعارف ، وهو عرفان الربّ تعالى بصفاته وأفعاله ، وإلى حالة نفسانيّة هي أفضل الحالات ، وهي الانقطاع إليه تعالى عن غيره . والمداومة على هذا العمل والممارسة عليه تورث ملكة التفكّر والاتّعاظ ، ودوام التوجّه إلى اللَّه تعالى ، وانقطاع النفس عن كلّ ما يقطعها عن الربّ . وقد ورد الحثّ الأكيد على ذلك في الكتاب الكريم ، والأمر والترغيب في النصوص بمقدار وافٍ كثير ؛ فقال في كتاب العزيز : « يُبَيّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْأَيتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ * فِى الدُّنْيَا وَالْأَخِرَةِ » ، « 1 » وقال في اولي الألباب : « وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السَّموَ تِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ
--> ( 1 ) . البقرة ( 2 ) : 219 - 220 .